EN
المقدمة
Misconceptions and refutations Sabighat
الفصل 2

معالم الموجة التشكيكية المعاصرة وسماتها وطبيعة التأثر بها

حين يستخرج الأطباء لقاحا من داء معين، فان هذا الاستخراج مسبوق بخطوات في تحديد طبيعة الداء وحقيقته وأسبابه، وهكذا في الأمور الفكرية وفي الظواهر الاجتماعية، لا يحسن علاج أي مشكلة ما لم يكن المعالج على دراية بحقيقتها وأسبابها، ومع أن القصد الأكبر في هذا الكتاب: بيان منهجية الوقاية والمعالجة من الشبهات الفكرية، وعرض أبرز التساؤلات والإشكالات والاجابة عنها، إلا أنه يحسن في البداية وصف الموجة التشكيكية المعاصرة، وبيان سماتها ثم أسباب التأثر السلبي بها، وبعد ذلك نلج الى المقصود بإذن الله:

معالم الموجة التشكيكية المعاصرة وسماتها:

أولا:هذه الموجة في غالبها هدمية لا بنائية، فوضوية لا منهجية، تثير الإشكالات، وتبرز الاعتراضات، ثم لا تقدم رؤية أو فكرة بديلة متماسكة، ويظهر هذا في صور واقعية متعددة:

منها: أن المتابع للطرح الإلحادي يجد في كثير منه البعد عن تقرير الفكرة الالحادية الأساسية، وهي نفي وجود الخالق، وانما تجد أكثر اهتمامهم بنقد الدين – وخاصة الإسلام -، مع وجود الثغرات الكبرى في صميم الفكرة الالحادية ذاتها، ولكنهم يعرضون عنها، ولا ينشغلون بالاجابة عن الاسئلة الحقيقية التي تواجه اعتقادهم، وإنما ترتفع أصواتهم استهزاء بحديث بول البعير، وخبر سن عائشة عند الزواج، وإذا ارتقوا قليلا تحدثوا عن عقوبة الردة وحد الرجم، وهذا يبرز سمة الفوضى والهدم، في مقابل الانتظام والبناء.

وتبرز في ذهني الآن صورة ريتشارد دوكنز – كبير الملحدين – وهو يسأل ((مهدي حسن)) في لقاء عرض على قناة الجزيرة، - وهو موقع على الشبكة -: إن كان يؤمن بأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد صعد الى السماء بفرس له أجنحة؟ وأثارت طريقة عرضه التهكمية للسؤال اعجاب جمهوره فصفقوا له(1)، بينما هو نفسه حين سئل في برنامج آخر عن شيء متعلق بأصل فكرته الالحادية، وهو أصل نشأة الحياة كان رده أمل الملحد ومظهرا ضعفه، فقد ذكر أنه ربما في وقت ما، وفي مكان ما في الكون، تطورت حضارة بالطريقة الداروينية على الأرجح، وصممت شكلا من أشكال الحياة، وربما بذوره في كوننا!

وكذلك حين تحدث مع الفيزيائي الملحد ستيفن واينبرج عن تفسير نشأة الكون على قوانين دقيقة، عرض عليه احتمال أن يكون ذلك بسبب وجود أكوان متعددة نشأ كوننا عنها، فرد عليه واينبرج بأن ذلك يتطلب أن يكون عدد الأكوان الأخرى 10 مرفوعا الى 120، ثم قال: وفي الحقيقة فهذا شيء مزعج.

Misconceptions and refutations Sabighat

ومن الصور أيضا للطرح الهدمي غير المنهجي: مشروع د. عدنان إبراهيم وهو من أكثر المشاريع تأثرا في السنوات الأخيرة، عبر المقاطع التي تنشر خطبه وآراءه – وأن استفاد منه بعض الناس ايمانا أو معرفيا – الا أنه لا يقدم رؤية معرفية بنائية متماسكة بقدر الاضطراب المنهجي الذي يمارسه ومن ثم ينتقل إلى جمهوره، المتابع له لا يخرج بموقف واضح تجاه عدد من القضايا الشرعية المهمة التي يكثر الحديث عنها؛ كالموقف من السنة، فتارة يجد منه تعظيما أصح الكتب في هذا المجال: صحيح البخاري، إذا كان ذلك في سياق استدلاله بحديث منه على قضية يؤيدها، ثم يجده في مقام آخر، وفي حديث من الصحيح نفسه، ينزل بالكتاب وصاحبه الى الحضيض إذا كان مما لا يؤيده، ويستعمل في ذلك ألفاظا قاسية للتعبير عن الاستنكار والاستبشاع والاستفظاع، حتى أنه ليخيل لك أن البخاري إنما كان بائع حلوى، أو سائس خيول، لا عالما جهبذا قل في التاريخ نظيره.

وكثيرا ما يكتسب المتابع له جرأة على الثوابت والمسلمات دون مفاتيح منهجية، ودون اعتبارات فقه الخلاف وأدبه، في تعامل أحدهم مع النصوص بناء على بوابته المعرفية والفكرية – التي يظنها العقل الصريح -؛ فيدخل من النصوص ما ناسب فهمه، ويرد منها ما لا يناسبه.

ولم يكن دافعي الى هذا الكلام محاربة التجديد، ولا منطلقي فيه الرضى بالواقع العلمي الذي نعيشه، وإنما هو رفض التجديد الذي ينبني على الاضراب المنهجي، وعلى الثورة الهدمية النقضية لا على الرؤية البنائية، أو النقد المنهجي العادل، اذ ان هذه الفوضى لن تكون مخرجا لما نحن فيه من تأخر في مجالات العلم والتفكير والمعرفة، بل انها تكرس هذا التأخر وتزيده تعقيدا.

وقد وقفت على حالات ترك أصحابها الاسلام، مصرحين بأن أول خطوة في انحدارهم ذلك كانت: متابعة عدنان ابراهيم (1)، ثم الانحدار الى "شحرور"، ثم السقوط الى المذهب الربوبي أو الالحاد، ولا أظن أن هذه النتيجة هي ما نسعى إليه من تجديد!.

ثانيا: هذه الموجة محملة بالأسئلة المفتوحة دون حدود؛ ولا يوجد سؤال يمكن أن يستبعد منها، سواء ما كان منها متعلقا بالله سبحانه، أو بأفعاله، أو بالتشريعات الاسلامية، أو بالأنبياء، أو بالقضايا الفلسفية في أزلية الكون أو حدوثه، ونحو ذلك، وهذا يستدعي استعدادا نفسيا ومعرفيا من المتخصصين للتعامل مع هذه الأسئلة.

Misconceptions and refutations Sabighat

ثانيا: هذه الموجة محملة بالأسئلة المفتوحة دون حدود؛ ولا يوجد سؤال يمكن أن يستبعد منها، سواء ما كان منها متعلقا بالله سبحانه، أو بأفعاله، أو بالتشريعات الاسلامية، أو بالأنبياء، أو بالقضايا الفلسفية في أزلية الكون أو حدوثه، ونحو ذلك، وهذا يستدعي استعدادا نفسيا ومعرفيا من المتخصصين للتعامل مع هذه الأسئلة.

ثالثا: تحمل الموجة التشكيكية المعاصرة شعارات عامة ذات بريق وجاذبية، ولكنها غير محددة المعالم، وغير منسوجة نسجا منهجيا علميا يقي صاحبه من الفوضى أو التناقض، ومن أبرز هذه الشعارات (تحرير العقل، نقد الموروث، رفض الوصاية، الحرية ) ونحوها، وهذه الشعارات ليست باطلا محضا، وإنما تحتاج الى بيان الإجمال الذي فيها، وفرز المقاصد الخاطئة التي يدعو إليها المشككون في الإسلام وثوابته عن طريقها، وتمييز المعاني الصحيحة عن تلكم المقاصد الفاسدة؛ حتى لا تتحكم الأهواء في تطبيقها على الواقع، فعلى سبيل المثال هناك من ينكر السنة كلها تحت دعوى (نقد الموروث)! وهذا استعمال فاسد نتيجة الشعارات الفضفاضة والتحكم في تنزيلها.

رابعا: التأثر بهذه الموجة في مجتمعنا المحلي يأخذ حالة بين الخفاء والعلن، وهي الى الخفاء أقرب، ولذلك فإن قياس حجم الشريحة المتأثرة بهذه الموجة فيه صعوبة، وفي نفس الوقت فان حالة الخفاء هذه تعتبر أمرا مقلقا للآباء والأمهات والمربين.

خامسا: الميدان الأكبر لبث شبهات هذه الموجة، واستقبالها والتأثر بها هو شبكات التواصل الاجتماعي – حتى هذه اللحظة -، وهذا يعطي الموجة بعدا توسعا كبيرا غير خاضع للموانع الجمعية المفترضة، وأقصد بالموانع الجمعية المفترضة (المسجد، المدرسة، الأسرة )، فيمكن أن يتأثر بهذه الموجة من يرتاد المساجد، ويمكن أن يتأثر بها من عاش في كنف أبوين صالحين، وقد لاحظت ذلك من خلال نقاش عدد من المتأثرين بها، منهم امرأة اتصلت تذكر أنها تكفر بالاسلام صراحة وبدأت تناقش بعض القضايا، ثم قطعت اتصالها فجأة، وبعد أن أكملت اعتذرت بأن أباها (مطوع) فخشيت أن يسمع كلامها فقطعت الاتصال !.

سادسا: خطورة هذه الموجة أنها موجهة ضد أصل الإسلام وثوابت الشريعة المتفق عليها، بخلاف ما لو كانت الإشكالات موجهة ضد احدى المدارس الشرعية – مثلا -، أو ضد عالم من علماء المسلمين، دون المساس بأصول الإسلام وثوابته لكان الأمر أهون بكثير مما هو عليه الآن، ووجه الخطورة يظهر نظرنا الى المتأثرين بها؛ فحين يفقد أحدهم أصل الإسلام فذلك كفر يؤدي الى النار، كما أن خسارة الثوابت الشرعية تضييع للهوية وانحراف للبوصلة وانحلال من التكاليف، بل إن انكار بعض الثوابت كفر، وكل هذا يجعل الأمر في مستوى لا يحتمل التغافل والتجاهل والتهوين.

وساشرح في الموضوع السادس والسابع من هذا الكتاب أبرز الشبهات التي تتضمنها هذه الموجة؛ كي ندرك خطورتها بصورة تفصيلية.

Misconceptions and refutations Sabighat

سابعا: مما يزيد من خطورة هذه الموجة، أن أغلب المتأثرين بها هم شريحة الشباب ذكورا وإناثا؛ ومعنى ذلك أن تكامل ظهور الآثار السلبية سيكون في المستقبل القريب حين يصل هؤلاء الشباب الى مرحلة العطاء والعمل والتربية والإرشاد – ما لم يحصل تدارك واع على المستوى الذي تتطلبه المرحلة -.

عاشرا: هذه الموجة تتشكل من مجموعة من الاعتراضات على وجود الله وكماله وعلى النبوة والشريعة، وفي الغالب تجد أن الأسئلة ذاتها تتكرر على ألسنة المتأثرين بها على اختلاف أعمارهم وبلدانهم، ولم يكن ذلك نتيجة تفكير واستنتاج عقلي اكتشفوا به هذه الأسئلة والاعتراضات، وإنما لتداول المعلومات في فضاء الشبكة التي قربت البعيد وجعلت العالم مجتمعا على طاولة واحدة، وسأذكر في ثنايا الكتاب طائفة من أبرز هذه الأسئلة والاعتراضات التي تتضمنها الموجة، وهناك كتب متعددة اعتنت ببيان أبرز الاشكالات بوجه عام أو في أبواب معينة، منها موسوعة بيان الإسلام، وكتاب تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى الطاعنين، ومن أفضلها في نظري رسالة الدكتوراه لسلطان العميري بعنوان (( ظاهرة نقد الدين في الفلسفة الحديثة)).

وأختم السمات بالاشارة الى مرجع يفيد في وصف الإلحاد الجديد ألا وهو كتاب: ميليشيا الإلحاد لعبد الله العجيري.

ثامنا: ينقسم المتأثرون بموجة الشبهات المعاصرة إلى قسمين:

  1. العابثون الفوضويون الباحثون عن أهوائهم الشخصية في ثنايا هذه الشبهات، وهم كثير.
  2. الذين تأثروا بالشبهات تأثرا فكريا حقيقيا أدى إلى تبنيهم لأفكار جديدة فيها مخالفات شرعية.

وهذا يدفعنا الى عدم تعميم الأحكام، والى الكف عن اطلاق التهم العامة، وعدم اختزال الظاهرة في صورة مجتزأة، والى البحث عن سبل متنوعة للعلاج بما تناسب مع اختلاف الحالات.

تاسعا: تختلف مرادات مثيري موجة الشبهات المعاصرة، فبعضهم يقصد صرف الناس عن الاسلام، واخراجهم منه، بل وعن الأديان كلها، وهذا يمثله الملحدون الجدد، والربوبيون، والمستفيدون سياسيا من ضياع قوة المسلمين وتفتيت كيانها.

والبعض الآخر من مثيري الشبهات لا يريد هدم الاسلام ولا تقويض بنيانه، بل ربما يثيرها بمقصد حسن في نفسه، ألا وهو تحسين صورة الإسلام، وإظهاره بما يوافق النفس العصري، وقد يؤدي به تحقيق هذا الغرض إلى انكار بعض الثوابت الشرعية، أو تأويلها بما يخفف من إثارة حفيظة غير المسلمين. وأقصد بالثواب الشرعية: الأحكام والأخبار التي اتفق أهل السنة والجماعة على الأخذ بها، مثل اعتبار السنة مصدرا تشريعيا للأحكام والأخبار الدينية، ومثل الحدود الشرعية.

الخير المنطوي ضمن موجة الشبهات الفكرية المعاصرة

لا أحب أن أكون متشائما مهما كان الواقع مليئا بالتحديات، والله سبحانه لا يخلق شرا محضا، وحين نتلمس جوانب هذه الموجة ونكشف خباياها نتفاءل بخير ممكن أن يحصل بسببها ! ولكن حصول هذا الخير مشروط بأمر مهم سأذكرها بعد بيان وجوه هذا الخير:

أولا: قد تؤدي هذه الموجة الى ردة فعل عكسية عند كثير ممن تأثر بها أو من يشعر بخطورتها، وردة الفعل هذه هي (اعادة أخذ الإسلام بيقين لا بتقليد)، وفي الحقيقة فإنه لا شيء أنفع للإسلام من أن يكون أهله على يقين تام بصحته وعلى تذوق مستمر لحلاوته. وربما يكون في طريق هذه النتيجة الجميلة مرحلة فتنة يسقط فيها أقوام، وينهض آخرون.

واذا استظهرنا حالة إيمان الصحابة رضي الله عنهم فإنهم قبل إسلامهم كانوا قد ذاقوا مرارة الشرك والكفر والحيرة والغفلة وكانوا في جاهلية، ثم أذن الله بهدايتهم حين أشرق نور الإسلام ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، فطلبوا حقيقة الدعوة فوجدوا أنها نبوة صادقة، وصراط مستقيم، ونور مبين، فتمسكوا به أشد التمسك، وثبتوا عليه أعظم الثبات مع شدة الأذى، ثم أوصلوا للبشرية هذا النور، وصبروا على الشدائد، وتجاوزوا الصعاب، وكان ذلك كله من ثمرات أخذهم الإسلام بيقين لا بتقليد.

ثانيا: بث روح البحث والحوار والمناظرة.

ثالثا: استنهاض الهمم الميتة.

ان كثيرا من حملة العلم الشرعي لم يحققوا الآمال المرجوة منهم في مجال بث العلم، والدفاع عن الإسلام، والدعوة اليه، غير أن مما يرجى تحققه فيهم حين يرون رياح الشك تعصف من حولهم أن تنبعث فيهم جذوة الغيرة على الإسلام، فاستنهض منهم العزائم والهمم، وهذا الأمر – وحده – لو تحقق فإنه خير كبير.

رابعا: مراجعة الدعاة أنفسهم من جهة أساليبهم في تبليغ الدعوة.

وسيأتي – بإذن الله – شيء من التفصيل في ذلك عند الحديث عن: سمات الخطاب الدعوي المؤثر في الساحة الفكرية المعاصرة.

وما مضى ذكره من جوانب الخير المنطوي ضمن الموجة التشكيكية المعاصرة مشروط بالاجتهاد من حاملي العلم والايمان في نشر براهين الحق بأفضل طريقه، وأما إن أعرضوا عن هذا التحدي، أو هونوا من شأنه ولم يقوموا بما تستحقه هذه الموجة من معالجة واعية متميزة، فأخشى أن نستيقظ جميعا على كارثة تبقى آثارها السيئة زمنا طويلا.

Misconceptions and refutations Sabighat