EN
المقدمة
Misconceptions and refutations Sabighat
الفصل 2

أسباب التأثر السلبي بالشبهات الفكرية المعاصرة

.

يميل كثير من الناس عند تحليله لمشكلة أو ظاهرة اجتماعية الى اختزال أسبابها، والحكم عليها بناء على ما يمليه طرف الذهن وحديث المجالس، وحين يطرح سؤال: لماذا يلحد بعض شبابنا؟ أو ينكرون السنة؟

تجد البعض يختصر أسباب المشكلة في سبب واحد أو اثنين، وهذا غير صحيح، فهي مشكلة معقدة مبنية على مجموعة من الأسباب متداخلة فيما بينها، ولذا؛ فقد حاولت جمع ما استبان لي – بعد التأمل – من الأسباب لهذه المشكلة، ثم ضممت النظير الى نظيره منها، وصنفتُها تحت أنواع من المؤثرات يندرج تحت كل نوع عدد من الأسباب:

Misconceptions and refutations Sabighat

النوع الأول: مؤثرات خارجية، وسأذكر منها خمسة مؤثرات:

1. شبكات التواصل الاجتماعي:

لا يخفى على أحد ما في شبكات التواصل من جوانب الخير والمعرفة والتكافل، غير أنها في الوقت ذاته تعد أكبر عامل في تسريع تداول الشبهات والإشكالات، وساهمت في بناء الجسور بين مصادر الإشكالات القديمة وبين الشريحة القابلة للتأثر، كما أنها يسرت لأصحاب الشبهات بث شبهاتهم دون إجراءات وتعقيدات، ومنحت لطالبي الشهرة فرصة لأن يبحثوا عنها في المخالفة والشذوذ، على قاعدة (خالف تعرف)، وكونها توصل الشبهات الى المتابعين دون استئذان فهذا مكمن آخر لخطرها.

2. الأفلام والروايات:

قل أن تجد في الاعلام المرئي أو الكتب المقروءة ما يتمتع بجاذبية كبيرة للشباب من الجنسين مثل الأفلام والروايات، مما يوسع من الشريحة المتأثرة بها، وتكمن إشكالية كثير منها في التأثير غير المباشر، وذلك عن طريق نقل الثقافة الأجنبية بما فيها من صواب وخطأ، وخير وشر، دون تمييز لما يتعارض منها مع قيم الإسلام.

3. التواصل والاحتكاك المباشر بالثقافات الأجنبية عن طريق الدراسة ونحوها:

والإشكال الأبرز هنا أن الشاب المسلم يجلس على مقعد التعلم والتلقي من معلمين غير مسلمين، وفيهم من هو مهتم بنشر بعض الأفكار الإلحادية، وقد تأثر بعض الطلاب بذلك حتى من أصحاب الدراسات العليا، ولو كان الشاب قبل ذهابه الى الدراسة هناك على مستوى عال من الإيمان واليقين، وكان يملك قدرا لا بأس به من التأصيل الشرعي والأدوات المعرفية التي يقيم بها المعلومات الجديدة و يخضعها للنقد العلمي، لكان الأمر أهون من ذهابه وهو عري عن ذلك كله.

4.انتشار الشهوات المحرمة:

نحن نعيش مرحلة استثنائية مخيفة في انفجار وسائل الإغراء الجنسي، فهل هناك علاقة بين انتشار الشهوات المحرمة وبين قابلية التأثر بالشبهات؟

الإشكال في طبيعة الشهوات المعاصرة أنها متشعبة ومتسلسلة، ويدعو أولها الى آخرها، ويمكن أن تستقطب كل اهتمام الشاب وعواطفه وتفكيره اليها، وهذا كله قد يؤدي ببعض المتعلقين بها إلى أن يستثقلوا التكاليف الشرعية، ثم إلى أن يبحثوا عن قطع ما ينغص عليهم كمال الاستمتاع بهذه الشهوات وهو تأنيب الضمير من ممارسة الحرام، ومن طرق ذلك الخروج من الدين أو إنكار الجزاء والحساب.

Misconceptions and refutations Sabighat
Misconceptions and refutations Sabighat

وهناك وجه آخر: ألا وهو أن الاكثار من الذنوب، وعدم التوبة منها يؤدي الى تكون (الران) الذي إذا تكاثر على القلب حجبه عن البصر بالحق. كما قال الله سبحانه:

{كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ }

[المطففين: 14 ]

واذا كثرت الحواجب على القلب فإن نور الايمان يخفت، فيصبح قابلا للتأثر بأدنى شبهة أو تشكيل.

5.النقد المادي للعالم الغربي وتأثير الثقافة الغربية:

الكاتبة الألمانية الشهيرة زيجريد هونكه صاحبة كتاب ((شمس الله تشرق على الغرب)) الذي صدر عام 1960 ميلادي، كتبت أيضا: (الله ليس كذلك) وهو كتاب تدافع فيه عن المسلمين والحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، وقد نقلت فيه نصا طريفا ومهما في الوقت ذاته، يتحدث عن موقف مشابه تماما لما يعيشه كثير من المسلمين من الانبهار بالحضارة الغربية اليوم، ولكن بصورة عكسية، المتحدث هو أسقف قرطبة (ألقاروا) وقت تفوق الحضارة الإسلامية، وقد راح يجأر بشكواه بكلمات مؤثرة تصور بلواه – على حد تعبير المؤلفة، فقال: ((إن كثيرين من أبناء ديني يقرؤون أساطير العرب ويتدارسون كتابات المسلمين من الفلاسفة وعلماء الدين، ليس ليدحضوا وإنما ليتفقوا اللغة العربية، ويحسنون التوسل بها حسب التعبير القويم والذوق السليم، وأين يقع اليوم على النصراني من غير المتخصصين الذي يقرأ التفاسير اللاتينية للانجيل؟ بل من ذا يدرس منهم حتى الأناجيل الأربعة، والأنبياء ورسائل الرسل ؟

واحسرتاه ! أن الشبان النصارى جميعهم اليوم، الذين لمعوا وبذلوا أقرانهم بمواهبهم لا يعرفون سوى لغة العرب والأدب العربي، أنهم يتعمقون دراسة المراجع العربية باذلين في قراءتها ودراستها كل ما وسعهم من طاقة، منفقين المبالغ في اقتناء الكتب العربية، و يذيعون جهرا في كل مكان أن ذلك الأدب العربي جدير بالاكبار والإعجاب ! ولئن حاول أحد اقناعهم بالاحتجاج بكتب النصارى فإنهم يردون باستخفاف ، ذاكرين أن تلك الكتب لا تحظى باهتمامهم !

في الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وان عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: {كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [المطففين: 14]
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح

وهذه المعاني الغيبية وأمثالها مما ورد في الشرع يجب ألا نغفل عنها في تحليل أي مشكلة متعلقة بالبعد عن الدين.

وا مصيبتاه ! ان النصارى قد نسوا حتى لغتهم الأم، فلا تكاد تجد اليوم واحدا في الألف يستطيع أن يدبج رسالة بسيطة باللاتينية السليمة، بينما العكس من ذلك لا تستطيع احصاء عدد من يحسن منهم العربية تعبيرا وكتابة وتعبيرا، بل إن منهم من يقرضون الشعر بالعربية، حتى لقد حذفوا وبذلوا في ذلك العرب أنفسهم ) انتهى.

لقد سبق أن ذكرت في المؤثر الثاني: أن الأفلام والروايات من وسائل تمرير القيم الغربية بطريقة غير مباشرة الى مجتمعنا، وليس هذا مؤثرا قويا وحده ما لم يكن مصحوبا بانهزام حضاري داخل نفس المسلم.

لقد أطلق ابن خلدون في مقدمته قاعدة بلغت شهرتها الآفاق، ألا وهي تأثير الغالب على المغلوب، فقال " ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها، بل في سائر أحواله. ....... حتى انه إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير" انتهى باختصار.

ومن الكتابات اللطيفة في هذا الباب كتاب ((ينبوع الغواية الفكرية)) لعبد الله العجيري، وقد قرر في مقدمة الكتاب أن كثيرا من الانحرافات الفكرية في هذا الزمان عائدة الى مركب من أمرين:

(هيمنة النموذج الثقافي الأجنبي مع ضعف التسليم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ).

ومع أهمية تفكيك المفاهيم الليبرالية وبيان ما فيها من إشكاليات وانحرافات وعدم توائم مع كثير من القيم الشرعية، فستظل هذه الجهود محدودة الأثر نتيجة استقواء هذه المفاهيم بالحضارة الغربية الطاغية انتهى باختصار.

Misconceptions and refutations Sabighat
Misconceptions and refutations Sabighat

وسيأتي بإذن الله في القواعد الوقائية أن اعادة الأولويات الكبرى في النظر الانساني من الأمور المهمة في إبطال تأثير هذا السبب. ومن الكتابات المثرية أيضا في الموضوع، كتاب ((سُلطة الثقافة الغالبة)) لإبراهيم السكران.

النوع الثاني من المؤثرات: عوامل داخلية:

ان العوامل الخارجية التي تساهم في التأثير بالتشكيكات المعاصرة في الإسلام وثوابته، لا تعمل عملها الحقيقي إلا بوجود محل قابل في الشريحة المستهدفة؛ أي: وجود ثغرات وفجوات في الشريعة الإسلامية المتعرضة للمؤثرات الخارجية السابقة، وسأذكر منها ستة مؤثرات فقط:

المؤثر الأول: ضعف اليقين:

لن أطيل كثيرا في التعليق على هذا المؤثر مع أنه من أهم المؤثرات؛ لأني سأتحدث عنه في القواعد الوقائية، غير أن الذي أريد أن أقوله هنا أو أثير به التساؤل في عقل القارئ الكريم النقطة التالية:

قضية مثل وجوب الصلاة على وقتها هي من القضايا المتفق على كونها أهم الفرائض العملية بين المسلمين، وهم متفقون كذلك على أن تأخيرها الى أن يخرج وقتها من عظائم الذنوب، والسؤال هنا: ما تفسير التفريط المشاهد في أداة الصلاة على وقتها من عدد غير قليل من المسلمين؟

أزعم أن ضعف اليقين هو السبب الأكبر في ذلك مع وجود أسباب أخرى أيضا.

المؤثر الثاني: المشاكل النفسية والضغوط الاجتماعية:

أذكر أكثر من حالة جرى بيني وبينها نقاش حول الإيمان بالله سبحانه، وكان سبب وجود الإشكال عند الطرف الآخر بعض الضغوط والابتلاءات التي لم يستطع التخلص منها، وكثيرا ما يكون الضغط النفسي الذي يعاني منه الإنسان سببا في سخطه على قضاء الله وقدره، ومن ثم قد يجحد وجود الخالق سبحانه، أويتهم عدله وحكمته، وهذا المؤثر بالطبع ليس خاصا بالعصر الحديث، فقد أخبر الله في كتابه الكريم عن أناس ينقلبون على وجوههم بعد عبادتهم إياه بسبب بلوى أصيب بها، فقال سبحانه:

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّـهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [الحج: 11]

وقد فسر ابن عباس هذه الآية كما في صحيح البخاري فقال: " كان الرجل يقدم المدينة؛ فإن ولدت امرأته غلاما، ونتجت خيله، قال: هذا صالح. وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال هذا دين سوء!". وما أجمل تعليق المفسر المُتقن، الشيخ ابن سعدي رحمه الله على هذه الآية؛ حيث قال " أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه إما خوفا، إما عادة على وجه لا يثبت عنـــد المحن ،

{إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ } ؛أي: ان استمر رزقه رغدا، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بايمانه، فهذا ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه ، { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ۚ } من حصول مكروه أو زوال محبوب {نقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ } ؛ أي: ارتد عن دينه ، {هِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ } أما في الدنيا؛ فإنه لا يحصل له بالردة ما أمله الذي جعل الردة رأسا لماله، وعوضا عما يظن إدراكه ؟، فخاب سعيه، ولم يحصل له الا ما قسم له، وأما الآخرة فظاهر، حرم الجنة التي عرضها السماوات الارض، واستحق النار ، {ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} ؛ أي: الواضح البين " انتهى

ان كثيرا من المسلمين في عافية من الكفر والالحاد مع ضعف يقينهم لأنهم لم يبتلوا بمن يشككهم في دينهم، وأما لو تعرضوا لشبهة قوية في أصل الإسلام أو ثوابته فقد لا يصمد ايمانهم أمام ذلك، كما في هذا النص البديع لابن تيمية رحمه الله:

(( فعامة الناس اذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الاسلام والتزموا شرائعه وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله؛ فهم مسلمون، ومعهم إيمان مجمل، ولكن دخول حقيقة الإيمان الى قلوبهم انما يحصل شيئا فشيئا، ان أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون لا إلى اليقين ولا الى الجهاد، ولو شككوا لشــكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارا ولا منافقين؛ بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ولرسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، وان ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب والا صاروا مرتابين وانتقلوا الى نـوع من النفـاق )). (مجموع الفتاوى (7/270)

المؤثر الثالث: ضعف الجانب التعبدي وخاصة أعمال القلوب:

قل أن تجد مسلما اعتنى بقلبه من الناحية الايمانية، وراقب مستوى تعلقه بالله وتوكله عليه وحبه له، واجتهد في تخليصه من دواخل الغل والحسد والكبر الا وهو يعيش لذة ايمانية لا يعدلُها شيء، ولا يفكر مجرد تفكير أن يستبدلها بشـــيء، وأما من افتقد كل ذلك فقد يستهويه أي جاذب آخر.

المؤثر الرابع: ضعف أدوات البحث والتوثيق والمعرفة:

ان شيوع التفكير الناقد عند مجتمع ما، وارتفاع مستوى الأدوات البحثية والعلمية فيه، يجعل من الصعوبة التأثير عليه بأفكار خارجية، والعكس صحيح وهذا ما نلاحظه في قضية انتشار كثير من الشبهات التي لم تكن الوقاية منها تحتاج لأكثر من تفكير ناقد، وتدقيق علمي حتى يبطل تأثيرها. وسيأتي معنا في الكتاب أن من القواعد الوقائية: تكوين العقل الناقد، وتعزيز أدوات البحث العلمي.

Misconceptions and refutations Sabighat
Misconceptions and refutations Sabighat

المؤثر الخامس: ضعف العلم الشرعي:

عَملتُ استفتاء في دورتين من دورات (كيف نتعامل مع الشبهات الفكرية المعاصرة ) عن أسباب انتشار الشبهات، فكان من الإجابات التي حظيت بأكبر عدد من الأصوات: ضعف العلم الشرعي عند الشباب.

وجه كون ضعف العلم سببا للتأثر بما قد يطرأ من الشبهات، هو أن التأصيل الشرعي يعطي حامله قاعدة معرفية ومنهجية يستطيع أن يحاكم اليها ما يطرأ على ذهنه من معلومات وتحليلات جديدة، وأما من يفتقد هذه القاعدة المعرفية فإن من السهل وقوعه في الاضطراب المنهجي والسقطات المعرفية الكبرى.

المؤثر السادس: الفراغ الوقتي والذهني والروحي:

أذكر حالة لامرأة أصيبت بوسواس عقدي من أشد ما رأيت وسمعت في حياتي، وقد اجتهدت في اقناعها بطرق التخلص من الوسواس فلم تستجب ذلك، وأظنها ذهبت الى طبيب نفسي أيضا، فلم يغن ذلك شيئا، فأرشده إلى أعمال علمية ومعرفية تقوم بها تملأ وقتها وذهنها – فقد كانت متفرغة تماما-، فكانت النتيجة أفضل وأقرب مما توقعت؛ لقد توقفت أسئلتها التي كانت كالسيل في وقت قياسي جدا، ولست أبالغ في هذا ولا لي حاجة الى ذلك، والمراد أن الفراغ الذهني والروحي يجعل الذهن والقلب عرضة لأي شاغل ولو كان سيئا، وأما من كان وقته ممتلئا، وذهنه وروحه مشبعة بالعلم والعمل والمعرفة والإيمان فهذا عائق وحاجز أمام كثير من الأفكار المنحرفة، والخواطر المقلقة.

النوع الثالث من المؤثرات في انتشار الشبهات:

وجود جوانب من النقص في طريقة الدعوة والتوجيه والمعالجة الشرعية.

وتظهر جوانب النقص في صور، منها:

1. الفجوة بين (كثير ) من المتخصصين الشرعيين وبين عموم الشباب، وهذه الفجوة تؤدي الى نقص في تصور الواقع، وتؤدي الى عزلة شعورية بين الطرفين، والأشد من ذلك أنها تؤدي الى تعطيل دور القدوات الذي له شأن كبير في الجانب الإصلاحي.

ولك أن تستحضر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وقربه من مختلف طبقات المجتمع، وأثر ذلك على الناس الذين يرون الخلق العظيم والحلم والصبر متمثلا في إنسان يمشي على الأرض، فكم لذلك من معنى حسن وقيمة ايجابية في النفوس.

2. قلة تنويع الأساليب الدعوية بما يتناسب مع مؤثرات الواقع ومستجداته. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص في خطابه على تنويع الأساليب لإيصال المعلومة الشرعية؛ تارة بالسؤال، وأخرى بالرسم، وثالثة بالخطبة البليغة وغير ذلك، مع أن معه صلى الله عليه وسلم من نور الوحي، وتأييد الله ما يغني عن كثير من الأساليب، فالاقتداء به في ذلك صلى الله عليه وسلم من الأمور المؤكدة، خاصة في هذا العصر الذي راجت فيه سوق الإعلام، وربا فيه سحر الصورة.

3. ومن جوانب النقص أيضا: ضيق مساحة الحوار المفتوح، الذي يشعر فيه الشباب بوجود وسيلة آمنة، متسعة الأفق؛ لا ستقبال أسئلتهم واستشكالاتهم.

وكم يسرح خيالي الى حالة حوارية أتمنى رؤيتها في الساحة الدعوية، وتتمثل في صورة ذلك المسرح الممتلىء بالحضور الشبابي، وعلى المنصة محاضر متمكن شرعيا وناضج فكريا ومتوسع معرفيا، يمتلك الأسلوب الاقناعي، والقدرة الحوارية العالية، ويكون المجال مفتوحا لمداخلات الشباب وأسئلتهم واستشكالاتهم بكل حرية وأريحية، فيحسن استقبالها، ويبهر الحضور في الجواب عنها، كما كان يفعل أحمد ديدات، وكما يفعله ذاكر نايك حاليا، فكم من رسالة ايجابية ستغرس في نفوس الحاضرين، وكم من أفكار ستُصحح، وإشكالات تزال، ونفوس تصفو، وقلوب تطمئن، ولا أدري هل سيتحقق هذا الحلم؟ وهل سيكون قريبا؟ وكم هم أولئك الدعاة القادرون على الوقوف في مقام كهذا؟ اللهم أصلح أحوالنا.

4. ضعف الخطاب الشرعي / العقلي المبرهن. وهذا من أكبر الأسباب. وسأزيد تفصيلا في الفقرة القادمة التي هي:

Misconceptions and refutations Sabighat

سمات الخطاب الديني المؤثر في الساحة الفكرية المعاصرة:

سأذكر خمس سمات ان توفرت في الخطاب الدعوي فسيكون له أثر كبير بإذن الله في الساحة الفكرية المعاصرة، وقد أطلت نوعا ما في تفصيل السمة الأولى – لأهميتها – وأرجو ألا يقطع التفصيل تسلسل السمات في ذهن القارىء؛ فليكن على استحضار لذلك:

السمة الأولى: الاهتمام بالخطاب العقلي:

هناك من يظن خلو الأدلة الشرعية (النقلية) من الدلائل العقلية، ومن ثم يهون من الدليل النقلي في مقابل الدليل العقلي، ويجعل اليقين إنما يتحصل بالدليل العقلي لا بالدليل النقلي، وهذا كله غير صحيح؛ فإن الأدلة الشرعية مليئة بالدلائل العقلية على أصول العقيدة والتوحيد وغيرها.

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: " بل الأمر ما عليه سلف الأمة وأئمتها أهل العلم والإيمان من أن الله عز وجل بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره، ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحســـن وجه "(.. مجموع الفتاوى (3/184)

وقال ابن أبي العز الحنفي " واذا تأمل الفاضل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية وجد الصواب منها يعود الى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق العقلية بأوضح عبارة و أوجزها، وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق ما لا يجد عندهم مثله " انتهى. شرح العقيدة الطحاوية (1/76)

ومن يقرأ كتاب الله، ويتأمل في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، يجد حضورا ظاهرا للخطاب العقلي فيهما.

فمِن ذلك على سبيل المثال: آيات إثبات البعث في القرآن ؛ كقوله سبحانه {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّـهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [اٌسراء: 99]

وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّـهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[ الأحقاف: 33]

وهذا في غاية الإقناع العقلي؛ فإن مشركي قريش كانوا يقرون بأن الله خالق السماوات والأرض، فكان الاستدلال عليهم بأن الذي خلق السماوات والأرض من العدم قادرعلى أن يخلق مثلها، ومن باب أولى أن يخلق ما دونها {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ}[غافر: 57].

Misconceptions and refutations Sabighat

: ومن الخطاب العقلي في القرآن قوله سبحانه {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } [ الطور: 35] فإن هذا التقسيم يجعل العقل يضرب الاحتمالات بين القسمين المذكورين، وحين لا يجد من البراهين ما يعضد أحدهما فانه سيبحث عن خيار ثالث تبينه الآيات التي تلت الآية المذكورة والتي سبقتها، وهو الله سبحانه وتعالى. ومن المراجع في الباب: كتاب الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد للدكتور سعود العريفي، وكتاب بلاغة الاحتجاج العقلي في القرآن الكريم لزينت الكردي، وكتاب مناهج الجدل في القرآن لزاهر بن عواض الألمعي.

وحين ننتقل الى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فسنجد مواقف كان الإقناع العقلي فيها في غاية الجمال والبهاء، والحجة والاقناع، منها ما أخرجه البخاري ومسلم من عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " جاء رجل من بني فزارة الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هل لك إبل؟" قال: نعم. قال: " فما ألوانها؟ " قال: حُمر، قال: " فهل يكون فيها من أورق؟ " قال: إن فيها لورقا. قال: "فأنى أتاها ذلك ؟" قال: عسى أن يكون نزعة عرق، قال: "وهذا عسى أن يكون نزعة عرق". صحيح البخاري (6847)، صحيح مسلم (1500)

طُرُق مخاطبة العقول

وسائل مخاطبة العقول على أنواع: منها ما يعود إلى طريقة الخطاب وأسلوبه. ومنها ما يعود الى طريقة إبطال أقوال المخالفين. ومنها ما يعود الى خطوة مسبقة في تقرير حدود العقل والعلاقة بينه وبين التسليم لله والرسول.

النوع الأول، وهو ما يعود الى طريقة الخطاب

فإن الأساليب التي يُحرك بها العقل ويُثار متعددة:
منها: أسلوب السؤال، وقد استعمله النبي صلى الله عليه وسلم لإيصال بعض المعلومات، كما في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أخبروني عن شجرة تشبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها "، و كقوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: "أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ! فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا وسفك دم وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه؛ ثم طرح في النار" صحيح البخاري (4698)، صحيح مسلم (64).

Misconceptions and refutations Sabighat

من الأساليب أيضا: استعمال القياس، وضرب الأمثلة، وسر المثال من جهة العقل وهو القياس، ومن الأمثلة العصرية التي يمكن أن تضرب في الاجابة عن سؤال: كيف نؤمن بالله سبحانه ونحن لا نراه: (الالكترون)؛ حيث أنه من الأمور العلمية التي يتعامل معها العلماء كحقيقة موجودة مع عدم رؤيتهم له، وإنما يرون آثاره فقط. فكذلك نحن نؤمن بالله سبحانه وان لم نره، ولكنا نرى آثاره.

ومن الأساليب أيضا: اتباع مهارات الإلقاء والإقناع، وهي من المهارات التي ينبغي على شريحة الدعاة والخطباء اتقانها، وحتى الموهوب – منهم – في هذا المجال يستفيد من بعض المهارات في برامج الإلقاء ودورات الإقناع.

ومن الأساليب أيضا: في ايصال المعلومة الى العقول: الاهتمام ببناء المقدمات المُسلمة وتقريرها؛ ثم الانطلاق منها الى النتيجة المطلوب إثباتها، وهذا من أهم الأمور.

مثال ذلك: الانطلاق من مقدمة: ( أن القرآن نزل لكل البشر وليس للصحابة خاصة ) للوصول الى نتيجة أننا مخاطبون بآيات طاعة الرسول والتي لا يمكننا امتثالها إلا باتباع ما صح عنه من أخبار.

هذا كله في النوع الأول من طرق مخاطبة العقول، وأما النوع الثاني وهو ما يعود الى طريقة إبطال أقوال المخالفين فيكون بطرق:

منها: إبراز التناقضات العقلية أو المنهجية في خطاب الخصوم.

مثال ذلك: إبراز تناقض منكر السنة حين يستدل بالسنة على قوله.

ومنها أيضا: إبراز اللوازم الفاسدة لأقوال الخصوم.

مثال ذلك: إظهار فساد قول الملحدين واللادينيين المنكرين للبعث والحساب بالسؤال عن مصير الظلمة الذين قتلوا آلاف أو ملايين البشر هل سيعاقبون بعد موتهم، وهل سيقتص المظلومون منهم؟ فالملحدون لا يعترفون بالبعث فكان من اللوازم الفاسدة لقولهم أنه لا فرق بين الظالم والمظلوم، بل إن حال الظالم أفضل؛ لأنه استمتع بحياته – التي يظن أنها لا حياة غيرها – بخلاف المظلوم الذي حرم منها.

وأما النوع الثالث من طرق مخاطبة العقول فهو في الاهتمام بالكلام عن العقل من جهة كونه مصدرا للمعرفة، وحدود عمله، والعلاقة بينه وبين النقل، و موقفه من الغيبيات، ونحو ذلك، فهذا كله مما يضع العقل في موضعه الصحيح، ويجعله حسن الاستيعاب، وحسن التقدير.

كانت تلكم جولة في رحاب العقول، ننتقل بعدها الى سمة أخرى من سمات الخطاب الدعوي المؤثر، وهي:

ثانيا: الوعي الجيد بحقيقة التساؤلات الموجودة في الساحة، وبحقيقة الأقوال المخالفة.

ربما يحتار الخطيب أو الداعية في اختيار الموضوع الذي يطرحه عبر منبره أو كرسيه أو حتى عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ولكن هذه الحيرة تزول إذا كانوا متابعين لما يشغل الشباب و يجتذب تفكيرهم، فالقضايا متجددة، والأفكار متسارعة، والذي يرصد الواقع بذكاء، يعرف متى يتكلم، وبماذا يتكلم، فإذا رأى اهتماما السجال الفكري حول قضية شرعية فانه يبادر بصوته فيها بعد أن يدرك حقيقة الاشكال، وطبيعة التساؤل، وبعد أن تفتحت الأسماع، وتلهفت متتبع كل صوت في هذه القضية.

ثالثا: مراعاة أحوال المخاطبين وتفاوت مستوياتهم، ومعرفة ما يقرب وما ينفر من أساليب الخطاب في الساحة الشابية.

رابعا: مقابلة الحجة بالحجة، لا بالسب والشتم، والعدل مع المخالف.

خامسا: الرغبة الصادقة في هداية الناس.

فان صدق النية، و الحماس للفكرة، والاخلاص لله في تبليغها، ونفع الناس بهـا، يظهر على تقاسيم الوجه وتعابيره، ويعطي للمتابع شعورا بالقيمة والأهمية، وقبل ذلك فإن الله جاعل لكلامه محلا وقبولا.